غزة- من قضية شعب إلى أداة للمكسَب السياسي والصراعات

المؤلف: محمد الساعد08.30.2025
غزة- من قضية شعب إلى أداة للمكسَب السياسي والصراعات

كيف لنا أن نفهم تحول غزة، ذلك الشريط الساحلي الضئيل، إلى بؤرة الصراع ومفتاح الحلول والأزمات في المنطقة برمتها؟ سؤال، لا تتبدى إجابته إلا بسؤال آخر أعمق: كيف استغل بعض المنتفعين القضية الفلسطينية، محولين إياها من قضية شعب يناضل من أجل حريته، إلى مجرد أداة سياسية لتحقيق مكاسب شخصية، سواء كانت مالية أو سياسية، أو حتى لبيع المواقف الرخيصة؟ فعلى امتداد أكثر من ثمانين عاماً، كانت القضية الفلسطينية ولا تزال هي الذريعة المفضلة لدى جموع المزايدين والمتكسبين، وعندما حانت لحظة تصفية الحسابات، تبين أنها لم تكن سوى بندقية طائشة في أيدي بعض اللصوص الذين أراقوا الدماء بغزارة، وقوضوا مستقبل العالم العربي بأكمله دون أن يقدموا للشعب الفلسطيني أي نفع حقيقي.

فإذا ما أردت النيل من دول الخليج –على سبيل المثال لا الحصر- فما عليك سوى أن تطل برأسك في خطاب شعبوي رنان، تتظاهر فيه بدعمك المطلق لفلسطين، ثم تتهم الخليجيين بالتخاذل والتقاعس عن نصرة القضية الفلسطينية وتحرير فلسطين، يا لها من معادلة يسيرة التطبيق وعظيمة النفع! الخسارة فيها لا تتعدى بضعة بطاريات لإذاعتك المحلية، وقليل من الحبر والورق ليكتب لك أحدهم مقالاً مدحاً، سواء كان هيكل، أو عفلق، أو غسان كنفاني.

وما أسفرت عنه هذه الممارسات الخبيثة، أنه خلال العقود الثمانية المنصرمة، تقلصت مساحة فلسطين التي طالما تغنوا بالدفاع عنها عبر أثير الإذاعات، حتى انحصرت في شريط غزة الضيق؛ وذلك كله بسبب سوق السياسة القذر الذي باع واشترى فيه بعض العرب، من سياسيين ومثقفين وحتى عامة الشعوب التي صبت جام أحلامها وحسدها وبغضها وأمنياتها ومزايداتها في سوق فلسطين الرخيص، بل حتى الغربيون أنفسهم استغلوا هذه القضية أيما استغلال، وباعوا واشتروا فيها، حتى انتهى المطاف بفلسطين إلى مجرد مربع أمني في رفح.

هذا المربع الذي هو في حقيقته، مصنع متكامل للدماء، وفي الوقت ذاته خط إنتاج غزير للمال الحرام، وخط إنتاج آخر للمزايدات الرخيصة، وخط ثالث للمكاسب السياسية الزائلة.

ولكن ماذا سيحدث لو استيقظنا ذات صباح على نهاية المعارك الطاحنة والغزوات المتتالية في "قطاع غزة"؟ أي مشهد سترسمه أعيننا؟ هل سنشهد مشروع سلام حقيقي؟ أم سنواجه مشروع فتنة وحرب أخرى؟ أم سنرى مشروعاً اقتصادياً ضخماً يبتلع السياسة ويجمدها إلى حين؟

وهل سيتخلى حينها هؤلاء المتكسبون والمزايدون ومصاصو الدماء عن "كنز غزة" الثمين الذي يدر عليهم الأرباح الطائلة؟

لا أظن ذلك على الإطلاق! فمن يستطيع أن يستحضر في ذاكرته صور بيروت التي تم تدميرها وانتهاك حرمتها منذ خمسينيات القرن الماضي وحتى يومنا هذا، سيتمكن من رؤية غزة بوضوح تام.

ففي ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، كانت بعض الأنظمة الثورية المتطرفة في العالم العربي في أمس الحاجة إلى عاصمة عربية تحتضن خلافاتها وتصفي حساباتها، فكانت بيروت حينها خياراً مثالياً بالنسبة لهم، ففجروا قنابلهم في شوارعها الآمنة، وتحاربوا في أحيائها السكنية بشكل مباشر أو بالوكالة عبر المقاولين والمرتزقة، بل حتى أجهزة المخابرات الغربية استغلت هذه المدينة الساحرة الواقعة في قلب خطوط التماس الدولية، واتخذت من بيروت مقراً لأعمالها المشبوهة وتبادل المعلومات السرية والاجتماعات السرية وتجنيد العملاء، لقد كانت مدينة بلا رقابة، وكأن الشاعر محمد الماغوط بلهجته السورية الرائعة يصفها بكلمات بليغة: (مدينة كل من ايده إله).

واليوم، تبدو غزة بديلاً مريحاً لورثة تلك القوى والتنظيمات والعصابات الإجرامية، ولكن غزة تحتاج إلى خلطة مثيرة، تتكون من قوى متصارعة بشدة وخط أخضر فاصل بين المتقاتلين، ومقاهٍ فارهة يلتقي فيها الجواسيس والعملاء، وترتب فيها العلاقات المعقدة، بمعنى آخر مدينة تنبض بالحياة وتفتح أبوابها للجميع ليستفيد منها البعض من ورثة "نصرالله، وجورج حبش، وهنية، وعفلق، وهيكل، وكنفاني".

سياسة الخصوصية

© 2025 جميع الحقوق محفوظة